لماذا الغرام بالفكر الإباضي ؟!
ما الذي حدا بكبار العلماء والأساتذة والمستشرقين من
مختلف الدول العربية والإسلامية والدولية الاهتمام بالفكر الإباضي، وهم من
غير أتباعه ؟ ، والتعمق في قراءة تاريخه وعقيدته وأثرها على أتباعه منذ بزوغه
وإلى يومنا هذا، ومن ثم الإعجاب بنشأته
الغريبة وحركته الفريدة واهتماماته العجيبة وأتباعه النادرين، لماذا كل هذا الغرام
بهذا المذهب ؟ ماذا يحمل هذا المذهب من فكر ومن هم رجالاته ورواده؟ ما الذي يميّز
فكرهم عن غيرهم من أبناء المذاهب الإسلامية؟
لماذا كل هذا الطنين وهذه الضجة حول التحول الكبير لدراسة
هذا الفكر ومحاولة إخراجه إلى الناس؟ بعد أن كان مطاردا في الشتات مبعدًا ومغيبًا
عن الأنظار، بل اضطر أتباعه المؤسسون لهذا الفكر تخفيا من ويل الدول الأموية –
حينها- أن ينشؤوا جامعة عظيمة في سراديب تحت الأرض في البصرة، حتى يهيؤوا أتباعهم
التهيئة الكاملة لنشر هذا الفكر في العالم الإسلامي. فما الذي سيقدم هذا المذهب من
فكر للناس حتى كلف أولئك أنفسهم دراسته وسبر أغواره ؟
ولربما قد يدور في خَلَدِ أيَّ
مطلع على المقال، أني أقصد المذهب الإباضي برمته (فقهه ومعتقده وفكره)، وتمجيده
وتبجيله على غيره من المذاهب، والحقيقة التي أقصدها خلاف ذلك، فما خلّفه الفقه
الإباضي مع غيره من المذاهب الإسلامية لا يعنينا في مقالنا هذا، فهذا أمر لا يختلف
عليه اثنان أن الاختلاف في الفقه أغنى المكتبة الإسلامية بموسوعات عظيمة نتيجة
التنوع الفقهي، وهذا من رحمة الله على أمتنا الإسلامية، ولكن ما أقصده بالمعنى
الدقيق هو الفكر الإباضي وأثر عقيدته بعيدًا عن الأدلة التي تكلم
فيها فطاحل العلماء من جميع المذاهب، إذ لا يخفى على الحصيف أن لا فائدة
مرجوة لفكر ومعتقد لا يظهر أثرهما في سلوك الأفراد ومنهجهم وتعايشهم، فنتاج الفكر
يظهر في تصرفات أفراده.
والأسئلة الآنفة الذكر
لطالما ردّدَها الذين لم يكلّفوا أنفسهم قراءة كتاب واحد عن هذا
المذهب، وحملهم تعصبهم أو جهلهم عدم التعرف عليه أو عدم معرفة لماذا
اتجه كبار المفكرين إلى الكتابة عن فكر هذا المذهب، وتركوا غيره ! لماذا لم يكتبوا
عن الفكر السلفي - مثلا - والتجربة التي قادها محمد بن عبد الوهاب ؟! أو التي
قادها أتباعه إلى يومنا هذا؟ والتي نرى ثمارها الآن بمختلف أشكالها وألوانها في
اليمن والصومال والعراق ومصر وتونس وليبيا وغيرها من الدول، وهي تشهد معارك طاحنة
بين أبناء الملة الواحدة (السلفية والشيعة أو السلفية والأشاعرة أو السلفية
والماتريدية)، ولا ننسى قبل أشهر تقريبا بعد أن تمّ افتتاح جامع محمد بن عبد
الوهاب في قطر، قال أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني: (إن الأمة الإسلامية
باتت اليوم بحاجة للتجديد واستلهام عزم وتجربة الدعوة الوهابية بما يواكب العصر
وتطوراته) !! ولا عزاء على هذا الكلام، إذ كأننا لم نتعلم التجارب المريرة التي
خلفها الفكر السلفي المتشدد، والعاقل يدرك الغاية من دغدغة المشاعر وما تحمله المصالح
من كلام الأمير القطري.
ولماذا لم يكتب أولئك المفكرون -كذلك- عن تجربة الخميني عندما قادت ثورته انقلابا
فكريا واجتماعيا على الشعب الإيراني، وها هم أتباعه لطالما حاولوا تصدير فكر
ثورتهم للعالمين العربي والإسلامي، باذلين الغالي والرخيص والنفس والنفيس من أجل
نشر ما يعتنقونه من فكر ومعتقد إلى بقية المسلمين، "يخفون في أنفسهم ما لا
يبدون لك"، والأيام كشفت زيف ضلالاتهم وتعصبهم لمذهبهم، إذ قامت قيامتهم
عندما فشل مخططهم لقلب الحكم في البحرين وتحويلها إلى محافظة تابعة لإيران، والآن
يعانون الأمرّين، "فويل لهم مما كسبت أيديهم"، وعويلهم ذهب هباء منثورا
بداية من حسن نصر الله ونهاية بالآيات الكبرى في إيران، وكأن ثورة لم تقم من قبل،
فنجدهم يدافعون عن شيعة البحرين (المظلومين!) أشدّ المدافعة، أما سنة سوريا
(المظلومين حقيقة) فحلال قتلهم بدم بارد، بل والمشاركة في قتلهم، والدفاع عن
النظام المستأسد أشد المدافعة، كل ذلك نصرة وتعصبا لمذهبهم، وكأن كلا الطرفين ليس
بمسلم، ولا حقوق له كما لغيره حقوق.
وهو ما نراه الآن من مناكفات ومشاحنات وحروب بين السلفية والشيعة إعلاميا،
بين فكرين متباعدين أشدّ البعد، لا يمكن أن يتقاربا، ولربما كان القرب من غير
المسلم أخف مع أحدهم من القرب من بعضهم بعضا، وللتمييز والإنصاف فمن أهل السنة من
الأشاعرة والماتريدية والسلفية المعتدلين من هم ألين عريكة وألطف جَنابًا من
غيرهم، وهؤلاء الأخيرون لم يسلموا من سهام التكفير من قِبل سلفهم المتشدد، والأشاعرة
والماتريدية ليسوا ببعيدين كذلك من تكفير التيار السلفي المتشدد لهم، باختصار شديد
التيار السلفي المتشدد لا يمكن أن يقبل رأي الطرف الآخر، فإما أن تكون على نهجهم
وفكرهم وإلا فأنت في دائرة الاتهام، ولربما قائل يقول: هذه مبالغة وافتراء، ومن
يقل هذا فعليه مطالعة كتابات المنتسبين إلى السلفية فهي طافحة جدا حتى على أنفسهم،
ولربما يعترض معترض بأن التاريخ ليس كله سواء فمنه المزيف عن السلفية، ولا اعتراض
عندنا هنا على هذا الرأي ونحترمه، لكن إن كان ذلك مثبتا بالتسجيلات وفي الدروس
والمحاضرات المنتشرة انتشار النار في الهشيم، وهي موجودة بكثرة لمن يطلبها، ولست
هنا بصدد سرد الوقائع لمثل هذا الأمر، حتى الكتب التي تخالف أفكار السلف
ومعتقداتهم، وضعوا لها كتابا خاصا من جزأين، عنوانه "كتب حذر منها
العلماء" فيها سرد للكتب الممنوع قراءتها خشية أن تصيبهم مسحة من بركات
كتّابها فيتأثرون، ولو كان هؤلاء عندهم ثقة فيما يعتنقونه من فكر، لما خافوا من
قراءة هذه الكتب أو نشرها، ولما سعوا جاهدين للتحذير منها، وما درى هؤلاء أن كل
ممنوع مرغوب فيه، وهذا ما حدث.
وهذا هو ما يسمى بالتكوين العلمي لكل طائفة
من طوائف المسلمين، فكل منهم يغرس هذه المبادئ في أفراد طائفته فينشؤون عليها
عاضين عليها بالنواجذ، لا يحيدون عنها، فإن أمسكتَ كتابا لصوفي حذرك السلفي
المتشدد ألا تضيع وقتك في قراءة ما لا ينفع، وهكذا ننشأ فلا نقرأ كتابا لأحد من
المسلمين إلا أولا: ننظر من هو وما هو مذهبه وينتمي لأي فكر، وعليه نحكم على
الكتاب أنه ضال هو وصاحبه، والغرب يمسكون الكتاب بغضّ النظر عن مؤلفه، يأخذون ما
صفا ويدعون ما كدر، ونحن عندنا كله كدر في كدر من أوله إلى آخره.
والحيرة الأشد مما سبق تقع على مَن لم يكلّفوا أنفسهم عناء البحث والاطلاع بعمق عن
الفكر الإباضي، وإنما اكتفوا فقط مجرد سماع أو قراءة ما كتبه الأولون من أصحاب
الفرق والمذاهب من مثالب تجاه هذا المذهب وما يحمله من أفكار، كالأشعري
والبغدادي وابن حزم والشهرستاني، وغيرهم كثير، معظمها غير صحيحة، بل ألصقوا
بالمذهب ما ليس فيه أبدا، وتصدّى لكل هذه المزاعم والافتراءات الشيخ الليبي علي
يحيى معمر -رحمه الله- في كتابه "الإباضية بين الفرق الإسلامية" بأسلوب
أدبي رصين، وضع فيه النقاط على الحروف والمقصل على المفصل، وهو من أفضل من كتب في
هذا الجانب، فأجاب في كتابه على العلماء المتقدمين والمتأخرين وحتى المستشرقين،
وكان كل من هؤلاء ينقل عن سابقه كثيرا دون أدنى تحرٍ للحقيقة، فانتشرت كتاباتهم
وتلقتها أكثر الأمة بالقَبول، إحسانا وظنا بالعلماء وأنهم أهل فضل وشأن رفيعين،
فكانت الحقائق خلاف ما كُتِبَ، بل أغلبهم لا
يعرف عن الإباضية شيئا، وإن أكثر ما كتبوه لا علاقة لهم به، ولا علاقة له بهم،
ورغم كل ما كتب عن الإباضية من تشويه وتزوير، فإن الحقيقة تبقى ناصعة في جبين
الدهر تبدو وتروح، فقيّض الله من مفكري وعلماء أصحاب المذاهب الإسلامية من
غير الإباضية ليدافعوا عن المذهب بأنفسهم، وينفضوا عنه غبار التهم والافتراءات
التي شوهت الحقيقة، كل ذلك دعوة صادقة لطي صفحة الماضي وقول الحق ولو كان مرًا
علقمًا، فـ((فرق كبير بين الأمس واليوم، فالقدماء
من أصحاب المذاهب الأخرى حكموا على الإباضية عن بُعد، بدون معايشتهم أو الاطلاع
على فكرهم من مؤلفاتهم، أما اليوم وفي هذا العصر الذي انتشرت فيه المعرفة وتلاشت
الحدود، وبعد اطلاع كثير من أصحاب المذاهب الأخرى على أفكار الإباضية من كتبهم، لم
يتمالكوا أنفسهم إلا أن اعترفوا بصوابية المذهب الإباضي وتجذّره في الكتاب والسنة،
وأنه يأخذ كغيره من المدارس الإسلامية من ذينك المنبعين الأصليين)).
ومن شاء الاطلاع
على ما كتبوا فهذه حلقات أربع جمعها جاهدا الأخ الفاضل/ يحيى بن أحمد بني عرابة
لأربعين عالما وباحثا سطروا بيراعهم مواقف منصفة تجاه المذهب الإباضي،
http://www.4shared.com/office/wi68Pmh2/____.html
ليعرف الناس الحقيقة من غيرنا، وليلتمس كل منا
لأخيه المسلم العذر فيما يأتي وما يذر؛ حتى نكون أمة واحدة تعبد ربًا واحدًا دون
تفريق بينها.. والله من وراء القصد
كتبه:
خليل بن محمد بن راشد الحوقاني
مدونتي: رحلة عابر